ترتبط المحاماة بالحياة القانونية ،كما تعيش في المحاكم وفي المجتمع ويقع على المحامي واجب خماسي الأبعاد: واجبه نحو موكله، وواجبه نحو خصمه، وواجبه نحو المحكمة ، وواجبه تجاه نفسه ، وواجبه تجاه النظام القانوني في الدولة .
ولكن الواجب الأعلى والأسمى الذي يقع على المحامي هو واجبه وولاؤه للعدل وأداء العدل .انه من الخطأ أن نعتبر المحامي لسان موكله ،والناطق باسمه فقط يقول ما يريد موكله، وانه أداته لما يرشده إليه، إن المحامي ليس كذلك وإنما هو مدين بالولاء والإخلاص للقضية الأهم وهي قضية العدالة .
والمحاماة وهي من الحماية، تشكل الدعامة الأساسية لتحقيق العدل ، فهي مهنة مستقلة تشكل مع القضاء سلطة العدل ، فلا تنعقد المحكمة تحت طائلة البطلان إلا بوجود محام ، وهي تشارك السلطة القضائية في تحقيق العدل وتأكيد سيادة القانون .
والإنسان في صراعه من أجل الحياة وبنضاله المستمر في درء الأخطار عن حياته وماله وحريته وكرامته وعرضه بحاجة إلى حماية ، والمحاماة وجدت لحماية أغلى ما لدى الإنسان: حياته وماله وحريته وكرامته وعرضه ، وحماية حقوق الأفراد وحقوق الأمة، والحياة لا تستقيم بدون حماية ، ودون حماية المحاماة .
والناس ــ أكثر من أي وقت مضى ــ يتطلعون إلى القانون لحماية وتعزيز الحقوق الفردية والجماعية وحل مشكلات الأفراد والجماعات ، والحكومات أكثر من أي وقت مضى تعتمد بصورة متزايدة على القانون في تنظيم المصالح الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ولأنه بتعاظم دور القانون يجب أن يزداد ويتعاظم دور المحامين ودور نقابة المحامين ويجب أن يكون المحامون قادرين على إيصال العدالة للجميع عن طريق السعي لتحسين النظم القانونية وتحسين المهارات المهنية التي تمكن المحامي من تقريب العدالة للناس وعرض قضاياهم على القضاء وتعزيز فهم الجمهور لدور القانون في المجتمع .
والفهم السليم للمحاماة يضعها في مكانها كجزء لا يتجزأ من سلطة العدل بإدراك الترابط العضوي بينها وبين القضاء وبإدراك أن المحامي أصبح جزءاً لا يتجزأ من المحكمة .
أ. فالمحكمة لا تنعقد أساساً إلا بوجود المحامي (المادة63/1 من قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني ).
ب. ومهمة المحامي التعامل مع القاعدة القانونية كيف تفسر وكيف تطبق وتلك هي أيضاً مهمة القاضي .
ج. والقرار القضائي السليم هو الذي يوصل إليه بعد حوار أفكار بين طرفين مهمتهما إجادة الحوار .
د. والقاضي يعطي حكمه ويعتمد في قراره على حقائق القضية التي قدمها المحامون الذين حضروا أمامه والذين قدموا الأدلة والمراجع ذات الصلة بالقضية .
وسنبرز ماهية ومشتملات مبدأ استقلال المحاماة تحت العناوين التالية :
* مفهوم استــقلال المحامــاة .
* مقتضيات استقلال مهنة المحاماة .
* مظاهر استـقلال مهنة المحاماة .
* معـيقات استقلال مهنة المحاماة .
وسنتناول كلاً من هذه الموضوعات من حيث المضمون النظري ونركز على استظهار التطبيقات من خلال نصوص القانون المنظم للمحاماة في الأردن { قانون نقابة المحامين الأردنيين والنظام الداخلي للنقابة } مشيرين إلى موقف القوانين العربية الأخرى والإعلانات الدولية ذات العلاقة ، وفقاً لمقتضيات العرض وكلما كان ذلك متاحاً .
مفهوم استقلال المحاماة .
المحاماة من الحماية ، وهي رسالة نصرة الحق والدفاع عن المظلوم واستقصاء العدل، والمحامون ( شركاء للقضاة اتخذوا مهنة لهم تقديم المشاركة القضائية والقانونية لمن يطلبها) ، وإذا كان البعض يذهب إلى اعتبار المحاماة فناً رفيعاً لازماً لتحقيق العدالة ، وهي كذلك ، إلا أن دور المحامي وطبيعة مهامه وعلاقته بموكله والقضاء والآخرين أوجد التحديد المتفق علية من أن((المحاماة مهنة حرة مستقلة تشارك السلطة القضائية تحقيق العدالةــ التي هي جوهر القانون ومرتكزه )) ولا تناقض بين مفهوم المحاماة كمهنة مستقلة ومفهومها كرسالة وفن رفيع ، لأن نشوء المحاماة بعيداً عن سلطات الدولة ودونما خضوع لما تخضع له هذه السلطات، وانطلاقها من واجب الدفاع وتقديم المساعد القانونية والقضائية ، وتطلبها المعرفة والعلم والتأهيل الجيد، حدد مفهومها كمهنة حرة مستقلة،وحدد غرضها ودورها كأداة للدفاع عن المحتاج، وحدد مكانتها كفنٍ رفيع جعلها بحق رسالة نصرة الحق وتحقيق العدالة .
ومفهوم المحاماة بالمعنى المتقدم جعل استقلالية المحاماة أهم مقومات وجودها وفعاليتها في أداء دورها ، وإذا كان استقلال مهنة المحاماة جزءاً من استقلال القضاء وكلاهما (استقلالية القضاء والمحاماة) جزءان لا يتجزءان لازمان لإقامة العدل، فإن لاستقلالية المحاماة، معنى ومفهوماً يختلف عن مفهوم ونطاق استقلال القضاء ، ومرد ذلك إلى أن المحاماة ليست سلطة كسلطة القضاء أو سلطة كبقية سلطات الدولة ( التنفيذية والتشريعية ) ، فالمحاماة منذ نشأتها هي مهنة معاونة القضاء تكمل وتشاطر القضاء مهمة إقامة العدل ، ومن هنا اعتبر استقلال المحاماة جزءاً من استقلال القضاء ، ومن هنا أيضاً أعتبر أن وجود النظام القانوني العادل والناجع لإقامة العدالة والحماية الفاعلة لحقوق الإنسان وحرياته يتوقفان على استقلال القضاة واستقلال المحامين ،وهذا المفهوم جرى تكريسه وتحديد مظاهره وعناصره في تشريعات المحاماة العربية بوجه عام .
ويقصد باستقلال المحاماة بوجه عام قيام المحامين بأداء دورهم متحررين من كل تأثير أو ضغط من أي جهة كانت ، وأن تكون كل السبل ميسرة أمام الجمهور للاستعانة بالخدمة التي يقدمها المحامون .
فالمحامي في أدائه لمهمته وواجبه لا يخضع لغير ضميره الحر المستقل ، واستقلالية المحاماة باعتبارها مستمدة من طبيعة وظيفته الاجتماعية كمشارك للقضاء في إقامة العدل تعني حرية ممارسته لمهنته واستقلاليته في آلية الدفاع عن موكله ، ولعل هذا المفهوم لاستقلالية المحاماة هو الذي دفع للقول بأن ( المحاماة دعامة العدل باعتبار أن العدل أساس الملك ولا عدل بغير قضاء ولا قضاء بغير محاماة ) .
واستقلالية المحامي بالمقابل ليست امتيازاً له يتيح تبرير الخروج على القانون أو التعدي على القضاء حتى في إطار خدمته لمصالح موكله ، فالاستقلالية أداة حماية استوجبها طبيعة الترابط العضوي بين مهمة القاضي والمحامي في إقامة العدل وتنطلق من واجب مقدس أوجبه حق الدفاع المقدس ، ودور المحامي في إطار ذلك هو دور نزيه ملتزم بالقانون متفق مع واجبه في حماية حقوق الناس والدفاع عن الصواب وإقامة العدل وتحقيق المحاكمة العادلة . لهذا فإن محاولة البعض إصباغ صفة الفن بالمعنى المجرد على المحاماة لتبرير استقلال المحامي في خدمة مصالح موكله بعيداً عن املاءات القانون والضمير والعدالة لا يتفق ومفهوم الاستقلالية الذي أوجده نضال المدافعين الحقيقيين عن الحرية والحق في العدالة . وإذا كان مفهوماً أن استقلال المحامي ليس كمثل استقلال القاضي لوجود التزام قانوني بين المحامي وموكله في الدفاع عن مصالح الأخير ، فإن ذلك لا يغير من وجوب أن يكون بذل المحامي أقصى جهده في الدفاع عن موكله وضمان مصالحه المشروعة وحقوقه القانونية أو وضعه في مركز أفضل مما هو فيه ، إنما يجب أن يتم ضمن إطار القانون وآداب مهنة المحاماة وآداب الترافع وقواعد السلوك القويم في العلاقة مع الموكل والقضاء والغير ، وإدراك الترابط العضوي بين القضاء والمحاماة في أداء العدل .
واستقلال مهنة المحاماة يعني أداء المحامي واجباته لخدمة موكله على نحوٍ مستقل ونزيه متحرر من التدخل في شؤونه من قبل السلطات التنفيذية والتشريعية وحتى سلطة القضاء ، ومن قبل أي كان دون خوف ووفقاً لما يمليه عليه ضميره وأخلاقيات مهنته ، ولهذا فإن مفهوم الاستقلالية في أفضل تعبير هو (( .. الكفاية الذاتية الوظيفية المصحوبة بأشكال المسؤولية التي تضمن أداء المحامي وظيفته بشكل يطمئن المتقاضين إلى من يمثلونهم ويثقوا فيهم وتخلق لدى المحامين القدرة على مقاومة كافة الضغوط والتدخلات من أي مصدر كان))
الاهتمام الدولي والإقليمي بمبدأ استقلال مهنة المحاماة
يؤخذ على المواثيق الدولية عدم إيلائها الاهتمام الكافي لمبدأ استقلال المحاماة ، إذ بالرغم من أن المادة 11 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أوجب توفير سائر الضمانات اللازمة للدفاع عن المتهم في محاكمة عادلة وكرست ذات المبدأ ، المادة 14/3 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ، وبالرغم من أن ضمانة هذا الحق تتطلب تنظيم الحماية الدولية لمبدأ استقلال المحاماة الذي يكفل قيام المحامي بواجبات الدفاع ، بالرغم من ذلك فقد تأخر الاهتمام الدولي باستقلال المحاماة ـ على عكس استقلال القضاء ـ ولم يتخذ بعد الموضع المطلوب ضمن اهتمامات المجتمع الدولي .
ويمكن رصد الجهود الدولية والإقليمية منذ إعلان أثينا الصادر عن اللجنة الدولية للحقوقيين حول سيادة القانون عام 1955 حيث أكد هذا الإعلان على استقلال مهنة المحاماة وتحررها من التدخل الخارجي لضمان احترام سيادة القانون . وأبرز المجهودات الدولية في هذا الميدان الاعلان العالمي حول استقلال العدالة الذي تبنته الدورة العامة الختامية لمؤتمر مونتريال حول استقلال العدالة عام 1982 والذي أكد على أن العدالة تشكل الدعامة الرئيسة للحرية ، وأكد على استقلال السلطة القضائية والمحامين . وقد مثلت مؤتمرات الأمم المتحدة منع الجريمة ومعاملة السجناء موقعاً رحباً لبحث استقلال المحاماة وإقرار إعلانات تضمنت تأكيد المبدأ وتحديد مظاهره وعناصره ومتطلبات حمايته ، وقد تناولت هذه المؤتمرات منذ ميلانو 1985 هذا الموضوع بالبحث والمتابعة وفق توجيهات المجلس الاقتصادي والاجتماعي في الأمم المتحدة وتوصل المؤتمر الثامن للأمم المتحدة لمع الجريمة المنعقد في هافانا ــ كوبا إلى إقرار المبادئ الأساسية بشأن استقلال ودور المحامين تضمن التأكيد على استقلال المحاماة واستقلال تنظيمات المهنة في تولي شؤونها وحددت المبادئ واجبات وحقوق المحامين وواجبات الدولة في ميدان حماية استقلال المحاماة التي تمثل الحد الأدنى من معايير احترام وتعزيز استقلال المحاماة .
أما اتحاد المحامين العرب فقد أولى مسألة استقلال المحاماة واستقلال القضاء اهتماماً خاصاً ،إذ انطلق مما قرره القانون الأساسي للاتحاد من عمل الاتحاد على تأمين استقلال القضاء والمحاماة ، فعقد عام 1980 مؤتمره الرابع عشر في الرباط تحت عنوان استقلال المحاماة ضمانة أساسية لحق الدفاع ، وأسس الاتحاد من بين لجانه لجنة لاستقلال المحاماة والقضاء جرى إعادة تنظيمها كلجنة دائمة بناءً على توصية المكتب الدائم للاتحاد المنعقد بالدار البيضاء عام 1990 ، وأجرت اللجنة دراسة مسحية لواقع المحاماة والقضاء في الوطن العربي من خلال الاستبيان الذي وجهه الاتحاد في شباط 1991 إلى جميع نقابات المحامين في الوطن العربي تضمن الاستيضاح عن مظاهر وواقع استقلال المحاماة والقضاء في الأقطار العربية ، ويكرس الاتحاد من بين أعماله بنداً خاصاً لمتابعة هذا الموضوع كما يوليه الاهتمام في صحافته حيث ينشر بشكل متواصل الأبحاث والدراسات المتعلقة بهذا الموضوع .
مقتضيات الاســـتقـلال .
إن المقصود بالعنوان المتقدم تحديد متطلبات مبدأ استقلال المحاماة ، بمعنى تحديد أساس مشروعية المبدأ ومبرر وجوده ، إذ ــ كما ذكرنا ــ ليست الاستقلالية مجرد حرية قيام المحامي بما يريد ، إنما هي أداة لحماية المحامي في أدائه المشروع لواجبه ، لهذا فإن استقلالية المحاماة تتطلب ابتداء انطلاقها من واقع يكفل هذه الاستقلالية ممن يتمتع بها ويبررها في مواجهة منكريها. إن مفهوم الاستقلالية كما رأينا حدده طبيعة المحاماة كشريك للقضاء في إقامة العدل وتأكيد سيادة القانون ، وهذا ما يتطلب ويستوجب أن يكون المحامي نزيهاً في ممارسته لمهنته ، وبذات الوقت يتطلب أن يكون قادراً على ممارسة المهنة .
فأول ضرورات استقلالية المحاماة أن يتحلى المحامي بكافة الصفات التي يلتزم بها القاضي من حيث النزاهة والحيدة والالتزام بالقانون والخضوع للضمير والاعتدال والأدب في عرض الموقف وفي القول والمرافعة والبعد عن التحيز والتعصب ، ليس في ممارسته لمهنته بل في سائر شؤون حياته ، لأن أول مقومات المحامي الالتزام الأخلاقي الرفيع الذي يضعه في انسجام مع دوره في أداء رسالة الدفاع المقدس ومشاركته وظيفة إقامة العدل . وقد نصت جميع التشريعات المنظمة لمهنة المحاماة على وجوب توفر مثل هذه الصفات فيمن يمارس مهنة المحاماة ، بل اعتبرتها التشريعات شرطاً من شروط مزاولة المهنة واستلزمت استمرار توفره ، واتجهت إلى زوال الحق في ممارسة المهنة عند انتفاء هذا الشرط . فالمادة 8 من قانون نقابة المحامين الأردني تطلبت في المحامي الراغب بمزاولة المهنة أن يكون محمود السيرة والسمعة غير محكوم بجريمة أخلاقية أو تأديبية لأسباب ماسة بالشرف والكرامة كما أوجبت المادة 23 على المحامي قبل اشتغاله بالمهنة أداء القسم القانوني بأداء أعماله بأمانة وشرف وفق القوانين والأنظمة واحترام قوانين وتقاليد المهنة ، وأوجبت المادة 54 على المحامي أن يتقيد في سلوكه بمبادئ الشرف والاستقامة والنزاهة وأن يقوم بجميع الواجبات التي يفرضها عليه قانون النقابة وأنظمتها وتقاليد المهنة .
ونظمت لائحة آداب مهنة المحاماة وقواعد سلوك المحامين الأردنيين الأحكام التي تكفل التزام المحامي الخلقي في عمله وحياته وفي الحفاظ على سمعة وشرف وكرامة المهنة كما أكدت مواد النظام الداخلي على ذات الأحكام التي تضمنها القانون .
إن نزاهة المحامي والتزامه بالقانون تتطلب أيضاً احترام إجراءات التقاضي والبعد عن كل ما يعطلها وعن أي مسلك غير متفق معها في مواجهة خصمه ، كما تقتضي أن يبتعد عن كل إجراء من شأنه إعاقة العدالة أو مساعدة موكله على مخالفة القانون وفي ذلك قضت المادة 56 من القانون الأردني على وجوب تجنب المحامي كل إجراء أو قول يحول دون سير العدالة وبينت لائحة السلوك العديد من الأحكام التفصيلية في هذا الصدد .
والنزاهة تستوجب من المحامي الابتعاد عن جميع وسائل ومظاهر استجلاب الزبائن والدعاية التجارية ووسائل الخداع وفي الحصول على الدعاوى و الإساءة لزملائه لتحقيق ذلك ، وفي ذلك قضت المادة 60 من القانون الأردني بحظر السعي لجلب أصحاب القضايا وحظر الإعلان التجاري أو استخدام الوسطاء لذلك ومنع شراء القضايا والحقوق محل النزاع وتضمنت مختلف تشريعات المهنة العربية ذات الحكم .
وحفاظاً على الحيدة والنزاهة ، والتزاماً بمفهوم المحاماة ودورها فإن المحامي يجب أن يمتنع عن ممارسة أي عمل إلى جانب المحاماة من شأنه التأثير على نزاهته أو أدائه ، ومن هنا تتفق تشريعات المهنة في حظر الجمع بين المحاماة وبين عدد من الوظائف والمهام والأعمال ، فالمادة 11 من القانون الأردني تحظر الجمع بين المحاماة ورئاسة السلطة التشريعية أو الوزارة أو الوظائف العامة أو الخاصة الدائمة أو المؤقتة أو احتراف التجارة أو منصب مدير أية شركة أو مؤسسة رسمية أو أية أعمال تتنافى مع استقلال المحامي أو تتعارض مع كرامة المحاماة وقد استثنت المادة الذكورة الاشتغال في تدريس القانون أو العمل في نقابة المحامين أو في الصحافة الحقوقية والثقافية .
أما المتطلب الثاني لاستقلال مهنة المحاماة ، فيتمثل بالتأهيل القانوني الكفيل بأداء المحامي لمهنته بكل اقتدار وكفاءة ، فالمحاماة مهنة علمية وفن رفيع ، وهي لذلك تقوم على المعرفة المتجددة وتنمية المهارات والقدرة على الأداء ، والمحامي القادر على القيام بواجبات مهنته هو المحامي الذي يتقن إعداد واجباته ودعاويه بشكل مسبق متقن، والقادر على الإحاطة بمادة دعواه القانونية ومسائلها الواقعية وتحضير خطة وآلية دفاعه وتجهيز بيناته والقدرة على مواجهة مفاجآت الدعوى وسرعة البديهة في التعامل مع أحداث ومجريات مهامه كما أن المحامي بحكم طبيعة مهنته باحث يتقن فن الوصول للمعلومة ويتحلى بصفات الباحث من حيث الموضوعية والصبر والمثابرة والتحليل ويمتلك أدوات المرافعة من لغة وخطابة وقدرة على العرض وتقدير متطلبات عرض الفكرة وكيفية عرضها ، إن جميع هذه الصفات وغيرها متطلب لاحتراف المحامي مهنة الدفاع عن حقوق الآخرين ، ومن غير هذه المكنة تفقد الاستقلالية أحد مبررات وجودها ، لذا كان من مقتضيات استقلال المحاماة التعليم القانوني والتدريب المهني والتأهيل المستمر ، إذ من خلال ذلك ( يتلقى المحامون الثقافة القانونية كعلم وفن ، وتتشكل لديهم مجموعة من القيم ، ويكتسبون إحساسهم بآداب المهنة ووعيهم للمسؤوليات الاجتماعية للمحاماة واهتمامهم بحقوق الإنسان والحريات الأساسية ، وعدم الكفاءة المهنية يعد أحد الأسباب الرئيسة لأزمة العدالة )
إن تشريعات مهنة المحاماة تتطلب إلى جانب التعليم القانوني التدريب المهني على أعمال المهنة ، وتتطلب إنجاز متطلبات معينة نظرية وعملية للنجاح في هذا التدريب ، كما يخضع المحامي إلى اختبارات التأكد من الجدارة والكفاءة ، وهذا شأن جميع التشريعات العربية على اختلاف بينها من حيث شروط ومتطلبات ومدد التدريب وآليات التثبت من الكفاءة ووقت ذلك ، فالقانون الأردني على سبيل المثال يتطلب لقيد المحامي في النقابة شرط حصوله على شهادة في الحقوق من إحدى الجامعات المعترف بها وفق قائمة الاعتراف التي تقررها النقابة ( م8/و ) ويتطلب أن يتم المحامي التدريب على أعمال المحاماة ( م8/ ز ) وقد نظم القانون الأردني والنظام الداخلي الصادر بالاستناد إليه الأحكام الخاصة بالتدريب في المواد 25- 37 من القانون والمواد 4- 24 من النظام ، وأبرز أحكام هذه المواد تطلب القانون التدريب لمدة عامين تحت إشراف محامٍ أستاذ أتم خمس سنوات من العمل بهذه الصفة ويتطلب الالتزام بالمثول أمام المحاكم والدوام في مكتب المحامي المشرف ويتطلب لإنجاز التدريب إثبات الترافع بعدد من الدعاوى وتجاوز امتحانين شفهي وكتابي وتقديم بحث للمناقشة في موضوع مستجد وعملي تحت إشراف النقابة وتقييمها خلال جلسة مناقشة عامة ويتطلب حضور المحاضرات والندوات والبرامج التي يقررها مجلس النقابة سنوياً ، كما منح القانون والنظام لمجلس النقابة الحق في تمديد مدة التدريب في إطار صلاحيته في التثبت من كفاءة وجدارة المحامي المتدرب.
إن دور نقابات المحامين في تدريب المحامين وتقديم وتنظيم برامج التأهيل النظري والعملي ، وإن كان يعد دوراً هاماً ورئيساً في تحقيق وتعزيز الكفاءة العلمية للمحامين ، إلا أنه يظل واحداً من عناصر التأهيل المتطلبة لتحقيق احتراف المحامي وكفاءته ، فالمحامي منوط به ــ وعلى مدى عمره المهني ــ واجب البحث والتقصي والقراءة والعمل المتواصل لتطوير وتعزيز معارفه سيما فيما يستجد يومياً من مسائل وتشريعات وموضوعات في ميدان القانون والقضاء .
إن استقلال مهنة المحاماة منوط بالمحامين في التزامهم الأخلاقي بكل ما يكفل نزاهتهم ويحافظ على شرف وكرامة المهنة وفي التزامهم بالحفاظ على كفاءتهم المهنية وتطوير قدراتهم المعارفية وأدائهم العملي .






